جلال الدين السيوطي

509

الإتقان في علوم القرآن

كاد « 1 » كاد : فعل ناقص ، أتى منه الماضي والمضارع فقط . له اسم مرفوع وخبر مضارع مجرد من ( أن ) ، ومعناها قارب ، فنفيها نفي للمقاربة ، وإثباتها إثبات للمقاربة ، واشتهر على ألسنة كثير : أن نفيها إثبات وإثباتها نفي ، فقولك : كاد زيد يفعل ، معناه : لم يفعل ، بدليل : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [ الإسراء : 73 ] ، وما كاد يفعل ، معناه : فعل ، بدليل : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] . أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق الضّحاك ، عن ابن عباس ، قال : كلّ شيء في القرآن كاد ، وأكاد ، ويكاد فإنه لا يكون أبدا « 2 » . وقيل : إنها تفيد الدّلالة على وقوع الفعل بعسر . وقيل : نفي الماضي إثبات ، بدليل : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] ونفي المضارع نفي ، بدليل : لَمْ يَكَدْ يَراها [ النور : 40 ] مع أنه لم ير شيئا . والصحيح الأول : أنّها كغيرها ، نفيها نفي وإثباتها إثبات ، فمعنى كاد يفعل : قارب الفعل ولم يفعل ، وما كاد يفعل : ما قارب الفعل فضلا عن أن يفعل ، فنفي الفعل لازم من نفي المقاربة عقلا . وأما آية : فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] فهو إخبار عن حالهم في أول الأمر ، فإنّهم كانوا أولا بعداء من ذبحها ، وإثبات الفعل إنّما فهم من دليل آخر ، وهو قوله : فَذَبَحُوها . وأما قوله : لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ [ الإسراء : 74 ] مع أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يركن لا قليلا ولا كثيرا ، فإنه مفهوم من جهة أنّ لَوْ لا الامتناعيّة تقتضي ذلك . فائدة : ترد كاد بمعنى أراد ، ومنه : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [ يوسف : 76 ] ، أَكادُ أُخْفِيها [ طه : 15 ] وعكسه ، كقوله : جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [ الكهف : 77 ] أي : يكاد . كان « 3 » كان : فعل ناقص متصرّف ، يرفع الاسم وينصب الخبر ، ومعناه في الأصل المضيّ والانقطاع ، نحو : كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [ التوبة : 69 ] . وتأتي

--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 312 ، والصاحبي 4 / 160 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 1 / 227 - 397 . ( 3 ) انظر المفردات ص 444 - 445 ، والصاحبي ص 164 ، والبرهان 4 / 311 .